كلبي انتحر بعد موتي… هل تنتحر الحيوانات فعلاً؟

بعد انتهاء جائحة كوفيد-19 ستتاح لك الفرصة للسفر مع مجموعة من الأصدقاء إلى الفليبين، جنة في منطقة جنوب شرق آسيا، وهناك ستتمتع بجمال طبيعتها الخلابة وتقابل الكثير من الغرائب في مغامرتك، وكأي سائح ستذهب لمشاهدة الحيوانات الغريبة والفريدة من نوعها وفي أحد محميات القرود ستقابل حيوان الأبخص الفلبيني أو ما يعرف باسم قرد التارسير، حيوان غريب صغير الحجم جاحظ العينين، ستخرج هاتفك لتصور اللحظة الجميلة على إنستغرام، تضحك بصوت عال وتقترب من القرد الصغير من أجل (سيلفي)، فيبدأ القرد بصدم رأسه بجدران القفص إلى أن تتهشم جمجته ويموت.

بعد انتهاء جائحة كوفيد-19 ستتاح لك الفرصة للسفر مع مجموعة من الأصدقاء إلى الفليبين، جنة في منطقة جنوب شرق آسيا، وهناك ستتمتع بجمال طبيعتها الخلابة وتقابل الكثير من الغرائب في مغامرتك، وكأي سائح ستذهب لمشاهدة الحيوانات الغريبة والفريدة من نوعها وفي أحد محميات القرود ستقابل حيوان الأبخص الفلبيني أو ما يعرف باسم قرد التارسير، حيوان غريب صغير الحجم جاحظ العينين، ستخرج هاتفك لتصور اللحظة الجميلة على إنستغرام، تضحك بصوت عال وتقترب من القرد الصغير من أجل (سيلفي)، فيبدأ القرد بصدم رأسه بجدران القفص إلى أن تتهشم جمجته ويموت.

ليست أفضل صورة إنستغرام لك، أليس كذلك؟ في الواقع ليست كذلك بالنسبة لقرود التارسير الفلبينية أيضاً، فهذه الحيوانات اللطيفة أصبحت معروفة بتصرفاتها الانتحارية التي تنتهي بموتها. لكن الأمر ليس نتيجة الاستياء من إنستغرام.

يؤكد المجتمع العلمي اليوم أن الحيوانات تعاني من الاضطرابات العقلية التي يعاني منها البشر كذلك، مثل اضطراب ما بعد الصدمة PTSD والاكتئاب والإجهاد وقرد التارسير هو واحد من الحيوانات التي تعاني من الإجهاد بسهولة، ويبدو ذلك مفهوماً عندما نعلم أن هذه القرود هي حيوانات ليلية حساسة للضوء والصوت، ويتم إجبارها على الاستيقاظ نهاراً وسجنها في أقفاص ضمن بيئة مليئة بالحركة والضجة مما يؤدي بها لاضطرابات تنتهي بتحطيم جماجمها الرقيقة على قضبان الأقفاص وأصوات رواد الإنستغرام في (المحميات) التي تعيش فيها.

في واقع الأمر فإن هذه السلوكيات لا تقتصر على قرود التارسير، بل توجد الكثير من الحالات التي تمتنع فيها الكلاب عن أكل الطعام بعد وفاة أصحابها إلى أن تموت، ومعظمنا شاهد ولو لمرة مشهد الحيتان وهي تقفز على الشاطئ لتموت اختناقاً في مشهد يسميه الكثيرون (الانتحار الجماعي للحيتان)، وهناك مئات وآلاف الكتابات والمشاهدات في كل أنحاء العالم للحيوانات التي تقتل نفسها بشتى الطرق والظروف.

توجد الكثير من الحالات التي تمتنع فيها الكلاب عن أكل الطعام بعد وفاة أصحابها إلى أن تموت

انتحار الحيوانات ليست فكرة مستجدة في البحث والنقاش حول فكرة الانتحار ككل، بل تعود إلى قرون عديدة مضت لعل من أبرزها ذكر الفيلسوف أرسطو لقصة عن حصان رمى بنفسه في الهاوية ليلاقي حتفه بعدما علم أنه مارس الجنس مع أمه دون أن يعرف، كما هو الحال مع قصة أوديبيوس.

الولع بموضوع انتحار الحيوانات يتجلى بشكل خاص في الكثير من الكتابات والسجلات الباقية من القرن التاسع عشر، وتحديداً في العصر الفيكتوري الذي نجد فيه الكثير من القصص والأخبار عن انتحار الحيوانات في أماكن وظروف مختلفة.

في عام 1845 نشرت صحيفة Illustrated London News -والتي كانت أول صحيفة مرسومة في بريطانيا- خبراً عن كلب أسود قام برمي نفسه في الماء في محاولة للانتحار! الكلب الذي وصفه كاتب الخبر بأنه “وسيم ولطيف” أظهر إصراراً غريباً على الموت غرقاً ورغم إنقاذه عدة مرات كان يعود لرمي نفسه في الماء واقفاً بقدمين ثابتتين، إلى أن مات في النهر، فيما يبدو أنه عملية انتحار. ولم تتوقف قصص الصحافة الفيكتورية عند هذا الحد بل تلتها أخبار أخرى عن بطة أغرقت نفسها وقطة شنقت نفسها بعد مقتل صغارها.

وفي عام 1875 نشرت صحيفة The Animal World التابعة للجمعية الملكية لمناهضة الأذى ضد الحيوانات خبراً عن انتحار أحد الأيائل في جنوب بريطانيا، وانتقدت رياضة الصيد التي كان يمارسها الكثير من النبلاء في تلك الفترة. وكتبت الصحيفة أن “الأيل البري فضل الوقوع بين فكي الموت عوضاً عن الوقوع في أيدي مطارديه”، وقدمت الانتحار على أنه حل أخير ويائس لحيوان فخور، كما هو الحال مع العقرب الذي تحاصره النيران أو الكلب الذي يتعرض للإساءة أو فقدان صاحبه.

فترة السبعينات والثمانينات من القرن التاسع عشر سجلت الكثير من القصص المشابهة في الصحافة الأوروبية والبريطانية على وجه الخصوص. لكن الحديث عن انتحار الحيوانات يستمر حتى في عصرنا الحالي الذي حقق فيه العلم تطوراً هائلاً ساعدنا على فهم الكثير حول الانتحار كفعل إنساني اولاً، وعلى فهم الفوارق العقلية والمعرفية التي تفصلنا عن بقية الحيوانات.

ففي عام 2011 نشرت العديد من الصحف في الصين خبراً حول إقدام دبة أنثى على قتل صغيرها ومن ثم قتل نفسها بسبب الألم الذي كان يعانيه الصغير بعد استخراج العصارة الصفراوية من مرارته، إذ تحتوي الصين على العديد من مراكز استخراج العصارة الصفراوية من الدببة، حيث تعيش تلك الحيوانات في ظروف مأساوية وتعاني الألم بشكل يومي لتمويل تجارة غير شرعية تعتمد على بعض الخرافات العلاجية التي يؤمن الصينيون وغيرهم بوجودها في العصارة الصفراوية للدب. وبحسب وصف الصحف فإن الدبة قامت بخنق صغيرها قبل أن تصدم رأسها بالحائط بقوة كبيرة أدت لوفاتها، وهو ما اعتبرته تلك الصحف انتحاراً واضحاً للتخلص من الألم.

يمكن أن نستمر حتى الغد في ذكر الأمثلة والقصص التي تتصرف فيها الحيوانات بشكل مؤذي ومدمر لنفسها، حيوانات القندس والحوت القاتل والحيتان والقطط والكلاب وغيرها الكثير تقتل نفسها في سلوكيات عديدة لا زالت موضع نقاش في المجتمع العلمي. فلو مت اليوم، من الممكن جداً أن يتوقف كلبي غداً عن تناول الطعام إلى أن يلقى حتفه هو الآخر، لكن هل انتحر كلبي فعلاً بعد موتي؟

بداية فإن استعمال مصطلح “الانتحار” للحديث عن تلك الحالات هو استعمال إشكالي إذا أردنا الحديث بشكل علمي وفلسفي كذلك، فالانتحار هو فعل يستوجب المعرفة والإدراك التام لنتيجته وهي الموت. المنتحر يجب أن يدرك أن فعله الذي سيقوم به سيؤدي إلى نهاية حياته وبالتالي انتفاء وجوده، وهذا يتطلب إدراكاً لمفاهيم الحياة والموت والوجود.

يعتقد العديد من الباحثين أن الحيوانات ليست قادرة على قتل نفسها، البشر قادرون على التخطيط لقتل أنفسهم لكن الحيوانات لا تستطيع ذلك، والسبب وراء ذلك هو اختلاف التخطيط المستقبلي بين البشر والحيوانات.

العديد من الحيوانات تستطيع التخطيط للمستقبل بشكل أو آخر، ويظهر ذلك في سلوكيات بعض الطيور التي تقوم بتخزين الطعام لاستهلاكه في وقت لاحق، والعديد من قرود إنسان الغاب “أورانجوتان” تقوم بتخبئة الأدوات لاستعمالها فيما بعد. لكن كل هذه السلوكيات لا تعني أن تلك الحيوانات تمتلك فهماً مجرداً لفكرة الحياة والوقت والمستقبل.

لتتمكن من التخطيط للانتحار وقتل نفسك فأنت بحاجة لفهم واضح لوجودك في هذا العالم، والقدرة على التوصل لفكرة انتهاء ذلك الوجود بفعل قتل النفس. هذا الأمر يتطلب ما ندعوه المخيلة.

يقول توماس سوديندورف أستاذ علم النفس التطوري في جامعة كوينزلاند في أستراليا إن البشر يمتلكون القدرة على تخيل العديد من السيناريوهات والتمعن بها وإسقاطها على حالات أكبر منها، ويبدو أن هذه القدرة هي ما يجعلنا مختلفين جذرياً في قدراتنا لتجاوز الزمن في عقولنا مقارنة بأقرب الحيوانات إلينا. لكن هذه القدرة لها ثمنها وهو أن البشر يشعرون بالقلق تجاه العديد من الأشياء التي لا يمكنهم فعل شيء حيالها، والخوف من أشياء قد لا تحدث مطلقاً.

لتتمكن من التخطيط للانتحار وقتل نفسك فأنت بحاجة لفهم واضح لوجودك في هذا العالم، والقدرة على التوصل لفكرة انتهاء ذلك الوجود بفعل قتل النفس.

هذا الفارق هو ما يجعلنا الكائن الوحيد الذي يدرك حتمية موته، حين يطلق أحدنا النار من فوهة المسدس نحو رأسه فإنك يدرك حتماً أنه سيموت، لكن الأمر ليس كذلك عندما يصدم قرد التارسير رأسه الرقيق بقضبان القفص. الحيوانات تتعامل مع الخوف والخطر الآني بشتى الطرق والآليات الدفاعية التي تطورت عبر مئات آلاف السنوات للقيام بها، وتلك الآليات الدفاعية قد تخرج أحياناً عن السيطرة لتؤدي لمقتل تلك الحيوانات. الحيوانات تستطيع التعرف على موتاها، وتمارس سلوكيات الحزن، كما أنها تظهر سلوكيات الخوف من الجثث، لكنها لا تتعامل مع الخوف من حتمية موتها فهي لا تمتلك قدرة معرفية وإدراكاً لذلك.

علم النفس يميل إلى امتلاك البشر لتحيّز نحو الإيجابية والتفاؤل، وهو ما يمكنهم من العيش مع مخاوف مثل إدراك حتمية الموت، وبحسب البروفسور آجيت فاركي من جامعة كاليفورنيا، فإن هذا الواقع يجعل البشر بحاجة لشكل من أشكال الإنكار ليتمكنوا من عيش الحياة وهم مدركون لحتمية موتهم، وإلا فإن الملايين من البشر سيعيشون دون فعل شيء يذكر. بل على العكس من ذلك نجد الكثير من البشر ينخرطون في نشاطات مهددة للحياة مثل تسلق الجبال وقيادة السيارات بسرعات كبيرة وتعاطي المخدرات وغيرها.

ولو امتلكت الحيوانات نفس تلك القدرة المعرفية لربما رأينا حماراً وحشياً يركض بالقرب من قطيع من الأسود، أو لوجدنا فأراً يحاول استفزاز القطط كما في كارتون توم وجيري، وكانت الحيوانات ستتوقف عن الدفاع عن مناطقها. لكنها ببساطة تمتلك أنظمة للتعامل مع الأخطار الآنية والمحدقة فقط لسبب واضح: البقاء على قيد الحياة. ويعتقد البرفسور فاركي أن جميع السلوكيات التي تبدو على أنها انتحار لدى الحيوانات يُمكن تفسيرها علمياً.

هذا الاعتقاد يوافقه الكثير من علماء الأحياء وعلم النفس التطوري اليوم، حيث تُوجد العديد من التفسيرات حول سلوكيات قتل النفس لدى الحيوانات، فالقنادس التي كانت تشتهر بما يسمى ظاهرة الانتحار الجماعي بالغرق، ليست في واقع الأمر سوى ضحية للتكاثر المتسارع لتلك الحيوانات، وهو ما يدفع إلى الهجرة الجماعية بأعداد كبيرة جداً ويذهب ضحية تلك الهجرة الكثير من القنادس التي تقع ضحية الغرق الجماعي في الأنهار.

بدورها فإن ظاهرة انتحار الحيتان يفسرها الكثير من العلماء بما يدعى “فرضية القائد المريض”، فمن المعروف ان الحيتان كائنات اجتماعية وتعيش في مجموعات، وحين يمرض أحد أفراد هذه المجموعات فإنه يتجه إلى المياه الضحلة الأكثر أماناً له ويلحقه بقية أفراد المجموعة، وأحياناً ما تنتهي هذه الرحلة نهاية مأساوية بعدم قدرة الحيتان على العودة للمياه ليجد البشر جثثها على الشواطئ.

الكلاب بدورها لا تنتحر، وامتناعها عن تناول الطعام بعد وفاة أصحابها يعود لرفضها الحصول على الطعام من شخص آخر، وهو ما يقود إلى موتها من الجوع في نهاية الأمر. الكلب لا يملك القدرة لمعرفة أن امتناعه عن الطعام سيؤدي لموته.

العلم أكد بشكل واضح أن الحيوانات تصاب بالاضطرابات العقلية المختلفة، وأنها تظهر العديد من سلوكيات إيذاء النفس، مثل الطيور التي تقوم بنتف ريشها ونقر لحمها بعد ذلك، وتلك السلوكيات المضطربة تؤدي في الكثير من الأحيان لموت تلك الحيوانات، ليأتي دورنا كبشر لعكس مفاهيمنا البشرية على الحيوانات من خلال إطلاق مصطلح الانتحار على تلك السلوكيات. وليس من الصدفة أن الكثير من حالات إيذاء النفس لدى الحيوانات مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالتدخل البشري، وقرود التارسير خير مثال على ذلك.

بالتأكيد فإننا لا نعلم بشكل واضح إلى أي مدى تستطيع الحيوانات تشكيل الروابط العاطفية مع البيئة والبشر وأفراد جنسها، لكن ما نعلمه بشكل واضح هو أن تلك الحيوانات لا تمتلك القدرات المعرفية التي نمتلكها، ولا تستطيع مثلنا التخطيط بشكل واع ومدرك لإنهاء وجودها. الحيوانات لا تستطيع الانتحار.

من المؤسف أن أعرف ذلك. لكن كلبي لم ينتحر بعد وفاتي، لقد مات لأنه لم يكن يرغب بتناول الطعام من يد زوجتي التي لم تحبه يوماً، وكانت دائماً ما تحرضني على طرده من المنزل، ثم قررت الاحتفاظ به بعد موتي لكونه من “رائحة المرحوم”.

تعليق واحد

  1. كلام جميل …….. مضحك ومحزن ايضا ….يبدو ان الكلاب ليست وفية لتلك الدرجة *…….^

اترك ردّاً

%d مدونون معجبون بهذه: